الظرف الأخير

في ذلك الصباح، جلست ليلى أمام الطاولة الخشبية التي اشترتها مع زوجها قبل ثلاثين عامًا. كانت الشمس تدخل من الستائر بهدوء، كأنها تخاف أن توقظ وجعًا قديمًا.

طرق الباب شاب لا تعرفه. كان يحمل ملفًا بنيًا وظرفًا مختومًا بالشمع الأحمر.

قال بلطف:
«سيدتي ليلى، جئت من مكتب الأستاذ سامر. هذه أوراق تخص البيت.»

ارتجفت يدها. منذ وفاة زوجها، لم تعد تثق بالأوراق ولا بالتواقيع. فقد حاول ابن زوجها أن يقنعها بأن تترك المنزل، بحجة أن كل شيء أصبح باسمه.

فتحت الملف، وبدأت تقرأ. كانت الكلمات ثقيلة، لكنها واضحة: البيت لم يكن للبيع، ولم يكن باسم أحد سواها.

ثم ناولها الشاب الظرف.

في داخله رسالة بخط زوجها الراحل:

«ليلى… إن وصلتك هذه الرسالة، فاعلمي أنني خفت عليك من الوحدة أكثر من الموت. هذا البيت لكِ. ليس لأنه جدران، بل لأنه المكان الوحيد الذي ضحكتِ فيه دون خوف. لا تسمحي لأحد أن يطردكِ من ذكرياتكِ.»

انهارت دموعها بصمت. لم تبكِ ضعفًا، بل لأنها شعرت لأول مرة منذ شهور أن يده ما زالت تحميها.

في المساء، جاء من أرادوا إخراجها. دخلوا بثقة، ثم توقفوا حين رأوا الأوراق الرسمية على الطاولة.

رفعت ليلى رأسها وقالت بهدوء:
«هذا بيتي. ومن اليوم، لن أعتذر عن بقائي فيه.»

غادروا بلا كلمة.

وبعد أن أغلقت الباب، وضعت الرسالة في إطار صغير قرب النافذة. ثم صنعت كوبين من الشاي، واحدًا لها، وواحدًا للمقعد الفارغ أمامها.

ابتسمت وسط الدموع وقالت:
«لقد وصلت رسالتك في الوقت المناسب.»

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد البيت صامتًا. صار يحمل صوتها من جديد، وصار كل صباح يبدأ بنفس الجملة التي كتبتها تحت الرسالة:

«الحب الحقيقي لا يرحل… بل يترك لنا سببًا لنقف.»

Понравилась статья? Поделиться с друзьями:
Добавить комментарий

;-) :| :x :twisted: :smile: :shock: :sad: :roll: :razz: :oops: :o :mrgreen: :lol: :idea: :grin: :evil: :cry: :cool: :arrow: :???: :?: :!: