القلادة التي أعادت الطفلة إلى البيت

كان المساء يهبط بهدوء على الحي القديم، وكانت الحجارة الصفراء في الأزقة تحتفظ بآخر دفء من الشمس. كانت ليان تمشي بجانب زوجها سامر، صامتة كعادتها في كل مرة يمران من ذلك الشارع. لم يكن شارعًا عاديًا بالنسبة لها. هنا، قبل سنوات، ضاعت منها أختها الصغيرة في زحام يوم عيد، وبقي الذنب يسكن قلبها مثل حجر لا يتحرك.

وفجأة توقفت.

على الرصيف المقابل، كانت طفلة صغيرة تقف وحدها، تحتضن دمية قديمة وتدور بعينيها الخائفتين بين الأبواب والنوافذ. لم تبكِ بصوت عالٍ، لكنها كانت ترتجف كمن ابتلع صرخة.

اقتربت ليان ببطء، وانحنت أمامها.

قالت برقة:
“ما اسمك يا حبيبتي؟”

همست الطفلة:
“نور… لا أعرف أين أمي.”

شدّ سامر على قبضته من القلق، وأخذ ينظر حوله بحثًا عن أي امرأة مذعورة. أما ليان، فشعرت بشيء غريب يجذب نظرها. كان في عنق الطفلة قلادة فضية صغيرة، بنفس الشكل الذي كانت تلبسه أختها يوم اختفت.

تجمدت أنفاسها.

مدّت يدها المرتجفة ولمست القلادة برفق. خلفها كان محفورًا اسم قديم: “مريم”.

امتلأت عينا ليان بالدموع. لم تكن الطفلة أختها، فهذا مستحيل بعد كل تلك السنوات، لكنها كانت ابنة مريم. ابنة الأخت التي بحثوا عنها طويلًا حتى انطفأت الآمال.

سألتها ليان بصوت مكسور:
“أمك اسمها مريم؟”

رفعت الطفلة رأسها بدهشة وأومأت.

في تلك اللحظة، ظهر صوت امرأة من آخر الشارع:
“نور!”

التفتت ليان. كانت المرأة تركض نحوهم، وجهها شاحب، عيناها غارقتان في الرعب. لكنها حين اقتربت، توقفت فجأة. نظرت إلى ليان، ثم إلى القلادة، ثم غطت فمها بيديها.

“ليان؟”

لم تحتج الأختان إلى كلام كثير. كل السنوات سقطت بينهما في حضن واحد طويل. بكت مريم، وبكت ليان، وبكت الطفلة دون أن تفهم لماذا صار الحزن فرحًا.

في ذلك المساء، عاد الثلاثة إلى البيت الذي بقي بابه مفتوحًا في ذاكرة العائلة. لم تُمحَ السنوات الضائعة، لكنها لم تعد جرحًا بلا نهاية. فقد عادت مريم، وعادت معها نور، وأدركت ليان أن بعض القلوب لا تضيع… فقط تتأخر في الرجوع.

Понравилась статья? Поделиться с друзьями:
Добавить комментарий

;-) :| :x :twisted: :smile: :shock: :sad: :roll: :razz: :oops: :o :mrgreen: :lol: :idea: :grin: :evil: :cry: :cool: :arrow: :???: :?: :!: